السيد محمد تقي المدرسي

35

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

ه - : وهو نقاء ثقافي ، لا زور فيه ولا افتراء على الله ، ولا صدود عن الحق . ولابد ان نعرف أن كلمة الأمن أو ( السلام ) في المصطلح الحديث ، وبالذات في عرف الحقوقيين والسياسيين ، تختلف عنه في كلمات الوحي والفقهاء . فالأمن يطلق اليوم على النظام القانوني والسياسي الذي يضمن تنفيذ القانون ومنع الاعتداء . بينما تطلق هذه الكلمة في الدين ومصادره على معنى يجمعه انعدام الخوف والحزن . ومعروف ان انعدام الخوف ، انما يكون بتوفر كل عوامل السلام والاستقرار والدعة . . والأمن بالمعنى القانوني عدل القسط . فإذا توفر النظام الاجتماعي ووسائل تنفيذه ، عقدت أرضية إقامة القسط كهدف أسمى للنظام . وقد أشار القرآن إلى الأمن بهذا المفهوم الضيق بكلمة وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ وجعله وسيلة لإقامة القسط ، حين قال ربنا سبحانه : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( الحديد / 25 ) فالحديد جاء وسيلة لإقامة القسط ، حين ينتصر به المؤمنون بالغيب للرسول . أما الأمن بالمعنى الشامل ، فهو وجه آخر للعدالة والقسط ، إذ من دون أداء حقوق الناس جميعاً ، وابتداءً من حق الحياة وانتهاءً بحق الانتخاب ( الحرية السياسية والدينية ) ومروراً بكل الحقوق وكل الحرمات . . من دون ذلك كيف يعيش الفرد آمناً ، وكيف يتوفر السلام للمجتمع ؟ وحديثنا هنا عن هذا الجانب الأشمل للأمن ، ولا يمكننا أن نفصل فيه القول ، لأنه يشمل كثيراً من الحقوق التي نستعرضها في هذا الكتاب . انما هدفنا هنا رسم الخطوط العريضة التي تجعل وعينا للحقوق والحرمات التي ندرسها في فصول أخرى ، وعياً شمولياً عميقاً بإذن الله تعالى . والأمن بهذا المفهوم هو الوجه البارز من الايمان ، ولذلك تتشابه كلمتي الأمن والايمان في الاستخدام . فالمؤمن هو الذي يعطي الأمان ، والمؤمن هو المعترف بكل حق . إن الايمان يستدعي قبول الانسان بكل حق لكل شيء ؛ حق الله سبحانه ، وحق خلق الله ،